قبل ظهور المعارضة الشيوعية الاسماعلية، واجهت
الدولة الاسلامية معارضات اصلاحية تختلف راديكالية واعتدالا تبعا لخلفيتها
الاجتماعية والشروط الفعلية التي ولدتها. من بينها وليس اكثرها اهمية، حزب
القدرية1، حزب الاختيار الذي رفع شعار : الانسان مخير لا مسير. والشر ليس قضاء وقدرا من اللـه بل تقديرا من الحكام : هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، وياخذون اموالهم ويقولون : انما تجري اعمالنا على الناس بقدر اللـه تعالى. (معبد الجهمى).
عبرت اللقدرية عن مصالح الاتقياء والفقراء من رجال الدين، تلاميذ ابي ذر الغفاري، الذين هالهم ابتعاد السلطة الاموية عن بعض المبادىء السوائية في الاسلام البدائي فكانوا لسان مصالح العامة والعناصر المدينية في دمشق : من المثقفين المستنيرين، اهل الصناعات والحِرف كما
كانوا صدى لمطامح الموالي والقبائل العربية الضعيفة غير القريشية. هؤلاء جميعا
كانوا يطمحون لحكم دستورى يكونون هم اقوى منه لاستبداله عندما لا يخدم مصالحهم
ومثلهم اي يخرق الدستور : الشريعة. هذا هو معنى تصريح زعماء القدرية :
الامامة تصلح فى غير قريش. واذا اجتمع قريشي ونبطي، قدمنا النبطي اذ هو اقل عددا واضعف وسيلة، فيمكننا خلعه اذا خالف الشريعة.
في الخندق المقابل للقدرية تقف الجبرية : الانسان مسير لا مخير، حزب النظام. الجبرية تنفي الممكن في تعريفها للواقع واعترافها به، تحصر الانسان في المعطى : وما اصاب من مصيبة الا باذن اللـه. وتجعله اسير الوضع المقدور : قل لن يصيبنا الا ما كتب اللـه لنا. وبذلك فهي فلسفة المحافظة علي النظام - مثل الوضعية المعاصرة!- ومناهضة التجديد، الاصلاح وبالاحرى الثورة.
اما عند القدرية فالواقع ليس قدرا مقدورا بل
امكانية ضمن امكانيات قابلة للتحقق التاريخي. مهمة الناس : اختيار الامكانية
الانسب لمصالحهم ونفي الامكانيات المناهضة لمصالحهم. لكن اذا تحققت هذه الاخيرة،
وهو ما حصل بتحقق سلطة بني امية، فما العمل ؟ هل تقبل الجماهير الوضع القائم
باعتباره شرا، وشر ما فيه انه لا بد منه،(الجبرية) ؟ ام ترجا الحكم له او عليه الى
يوم الحساب (المرجئة) ؟ اما القدرية فتجيب : كلا،علينا ان نتجشم تحريض الناس
عليه.
هكذا تكون القدرية حزبا ينقصه، بالتاكيد،التماسك، الراديكالية
القصوى، التنظيم والبرنامج. لكنه حزب ينقد الواقع ويطمح ليغييره نحو الاصلح. وبذلك
يكون رائد الاحزاب الثورية اللاحقة في العصر العباسي التي سوف لن تكتفي بمجادلة
النظام القائم بالتي هي احسن (اللسان) بل ستضيف الى جدال اللسان جدال السيوف، وجدال
السيوف خير جدال !
* * *
فشل المعارضات الاصلاحية2 في تحقيق برانامجها، الشروط الاجتماعية الجديدة، ازمة النظام العباسي، ضعف مركزيته وزوال
هيبته شيئا فشيئا هيا الظروف للمعارضة الثورية الهادفة لا لتلطيف جور النظام بل
لقلبه.
عبرت هذه المعارضات الهدامة عن نفسها مرة في شكل تصوفي (الحلاج، زعيم الحلاقين)، ومرة في شكل ردات دينية او حروب قومية ومرارا في شكل انتقاضات مسلحة وثورية حتى النهاية الممكنة. وهذا الشكل الاخير هو الذي يهمنا
الآن.
* * *
الثورة الشيوعية الام التى الهمت كل الثورات
الراديكالية، في العصر العباسي، هي ثورة بابك الخرمي (201-223هـ). التي اندلعت ردا على حنث الثورة العباسية وتنكرها
لبرنامجها. مساواة العرب بالموالي في العطاء والوظائف والعودة الى اممية الاسلام البدائي الذي لا يفرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى. عمليا ترجم العباسيون مساواة
العرب بالموالي بالمساواة بين الارستوقراطية العربية والفارسية. واممية الاسلام
باممية التجارة.
طوال 22 عاما حرض دعاة الثورة نظريا وعلميا جماهير
الفلاحين الاجراء على الفتك باصحاب الاقطاعات والاستيلاء الجماعي على املاكهم. كما
حرضوا عوام المدن على الفتك بالتجار ونهب مخازنهم
كانت الثورة الخرمية طموحا جسورا لتقويض
الارستوقراطية السائدة العربية والفارسية بثورة الجموع المظلومة من كل القوميات
والمعتقدات وتشييد مجتمع جمهوري لا مكان فيه لاستغلال قومية لاخرى، لاستغلال طبقة
لاخرى،لاستغلال الرجل للمراة ولا مكان فيه للقومية او للدين وتحاريمه، شعاره : اباحة النساء على الرضى منهن واباحة كل ما يلذ للنفس وينزع اليه الطبع ما لم يعد على احد بضرر (المقدسى - انظر الحركات الفكرية فى الاسلام، بندلى جوزي).
* * *
سنجد هذا الاتجاه الجمهوري، السوائي égalitaire والعلماني في الحركات والثورات الاسماعلية (الباطنية)3. العديدة والراديكالية، بدرجات مختلفة، من القرمطية الى الفاطمية4 مرورا بالحشاشين والدروز (الموحدين) والزبدية
اليمنية.
لان الحركات الاسماعيلية غطت، مكانا، مساحات شاسعة تمتد من البحرين شرقا الى المغرب غربا. وغطت زمانا، ثلاثة قرون. وضمت تجمعا طبقيا
امميا عريضا وتاثرت بجميع الملابسات الظرفية، فانها كانت تنطوي على اجنحة متعددة
تختلف راديكالية واعتدالا باختلاف المكان والزمان والنوعية الاجتماعية للفئات
المعنية.لكن مما لا ريب فيه ان الجناح الفارسي للحركة كان اقصى يسارها خاصة في
الموقف من الدين. وهو موقف اقرب الى العقلانية وابعد عن قتل الجسد واحتقار المادة، تماما كما لعب نفور الجزيرة العربية من طقوس الاسلام خاصة الزكاة دورا في تجدير الجناح القرمطي للحركة ونجاحه في البحرين
* * *
منظر الحركة الاسماعلية الاول هو عبد اللـه ابن ميمون. وكان عقلانيا لامعا مطلعا على جميع الفلسفات والاديان. ولا شك انه ترك بصماته على الحركة من مبتدئها الى منتهاها، وهو القائل : ان الائمة والاديان والاخلاق ليست الا ضلالا وسخرية.
اهم ما اعطت الاسماعلية : الدولة الفاطيمية،
الجمهورية القرمطية في البحرين، حركة الحشاشين في فارس وسوريا الخ.. وانجبت على الصعيد الفكري مدرسة اخوان الصفاء التي يمكن تشبيهها بفلاسفة عصر الانوار، واثرت قليلا او كثيرا في المع الشعراء والفلاسفة
العرب الذين عايشوها : المتنبى، المعرى، ابن هانئ...
ليس من الصعب الحدس بان الاسماعيلية التي حللت الدين
تحليلا تاريخيا نقديا وردت للفلسفة اعتبارها قد لاقت هوى في نفوس المفكرين
اللامعين. فقد اشار المقريزي الى ان الاسماعلية ترى ان الشرائع لم تكن الا لتقليد العامة وصيانة المصالح الدنيوية للخاصة من الحكام وذوى السلطان، اما المثقفون فلا حاجة لهم بها.
كما انه من السهل كذلك افتراض انها
صادفت هوى في نفوس العرب (خاصة البدو) الذين لم يعتنقوا الاسلام الا خوفا او طمع ولم تفسح لهم الارستوقراطية الحاكمة مكانا بينها، وفي نفوس الشعوب الوثنية الاخرى التي لم تدخل الاسلام اصلا او دخلته لدفع الاضطهاد الديني والاجتماعي. ولعل المعري عبر على هوى هؤلاء بقوله :
ان الديانات القت بيننا إحـنـــــــا وعلمتنا افانين العدوات وهل ابيحت نساء الروم
للعرب الا بأحكام الديـــانــات !
وهناك قرابة بين عبادة العقل
الاسماعيلية والوثنية التي كانت دين الناس الاحرار وغير المحرومين. على عكس الديانات شبه التاريخية.
امام استبداد الدولة الاسلامية التي استبعدت من
حقل نظرها كل معارضة او حتى اعتراض. لم يستطيع الحزب الاسماعيلي الا ان يكون حزبا
سريا. وبالنتيجة بيرقراطيا شديد وعديد المراتب : 7 مراتب آخرها الالحاد والاباحية الكاملة.
الحزب الاسماعيلي حزب طليعي غير مفتوح الا للكوادر التي تعرف القراءة والكتابة وتتمتع بدرجة معينة من الوعي النقدي ازاء الايديولوجيا المعادية والنظام االقائم. وللحزب ما يمكن تسميته بمدرسة كوادر يجذر فيها وعي المنتمين الجدد ويزودهم بمعلومات مراتبية عن برنامج الحزب وموقفه من قضايا الدين والدنيا. اما الجماهير المتخلفة، التي كان الاسماعليون يسمونها : العميان والحمير وعبدة الاوثان اشارة الى تقديس الحجر الاسود والكعبة، فلم يكن لها في حزبهم الاصطفائي مكان.
لم يعد اليوم شك فى ان الانتماء للحزب الاسماعيلي كان معياره، على العموم، طبقيا لا شعوبيا : عندما بدا التمايز العنصري بين العرب والموالي يزول شيئا فشيئا ويحل محله التمايز الاقتصادي بين اصحاب الامتيازات والمحرومين منها اصبح الشيعة الثوريون لا يمثلون الموالي وحدهم بل اصبحوا لسان حال الطبقات المظلومة كلها. فاصبح زراد شتيو الطبقات العليا من الفرس سنة وبقوا على امتيازاتهم ، وحى من ظل من اعضائها على زراد شتيته فانه لم يكن اقل حقدا من العرب على المتطرفين، واعتنق فقراء عرب العراق وسوريا والبحرين الافكار الشعبية المتطرفة. (برنارد لويس : اصول الاسماعيلية).
لم تقف الاديولوجيا الاسماعيلية عند حدود نقد السنة، بل مدت السلاح نقدها الى الاسلام نفسه ثم الى جميع الاديان المنسوبة الى
السماء5.
الهرطقات الاسماعيلية كانت اما ملحدة واما على مشارف الالحاد تقول بالحلول والتحلل : حلول اللـه في امام الزمان الثائر. في الانسان، و بالتحلل من طقوس الاسلام، من اوامره ونواهيه مستبدلة الوحي الالهي بنور العقل البشري، والمتعصب الديني بالتسامح الفلسفي، وقتل الجسد بالتحاريم الطقوسية بالعودة الى ما اسماه هيجل حالة الشعوب السعيدة،الشعوب اليونانية الوثنية التي كانت تمارس، بدون شعور بالالم. بدون ضمير معذب، كل ما يلذ للنفس ويميل اليه الطبع، واخيرا كشفت ان سيطرة الدين هي دين السيطرة.
يمكن تكثيف البرنامج الاسماعيلى على النقاط التالية :
· الغاء الملكية الخاصة لوسائل الانتاج (الارض ) وتوزيعها مجانا على الفلاحين الفقراء. · المساواة بين الرجل والمراة مساواة كاملة. والغاء تعدد الزوجات. · الاطاحة بالنظام السائد الزمني والروحي : اقامة دولة علمانية على انقاص الدولة الاتوقراطية التي لا يتحقق الهدف النهائي لحركتهم الا بتقويضها.
لم يكن هذا البرنامج الثوري تعبيرا عن الحد الاقصى من مطالب الموالي، الفلاحين، البورجوازية الصغيرة الكادحة : (اهل الصناعات
والحرف)6 خدم المنازل، البدو العمال والانتيلجانسيا العقلانية وحسب بل كان استباقا عبقريا لاكثر من مطلب في المشروع الثوري الشامل للبروليتاريا العربية الحديثة.
من الطبيعي ان يكون الاسماعيليون هدفا مفضلا لاضطهاد الدولة الاسلامية الوحشي التي كانوا هاجسها الاول. فقد قتل احد امراء خرسان، في اقل من ثلاث شهور، :
منه الف من الباطنية (الاسماعيلية) وبنى برؤوسهم بالرى منارا اذن عليه المؤذنون (البغدادى).
لم يكن موقفهم من الدين وحسب بل ان برنامجهم الاجتماعي هو الذي يوغر بالحقد عليهم والذعر منهم صدور الارستوقراطيات الحاكمة. نستشف ذلك من خلال ردود رجال الدين والمؤرخين السنة عليهم : ان اضرار الاسماعيلية على الاسلام اعظم من اضرار اليهود والنصارى والمجوس. بل اعظم من مضرة الدهرية وسائر اصناف الكفرة، بل اعظم من ضرر
الدجال الذي يظهر فى آخر الزمان (الفرق بين الفرق).
اقصى اتهام توجهه سلطة اتوقراطية لمارق هو الدهرية (الالحاد). فلماذا اعتبر الاسماعيلية اشد خطرا من الملحدين بل حتى من الدجال ... اذا لم يكن مشروعهم الثوري برمته لا الحادهم وحسب هو الذي يقض مضاجع الحكام وخدمهم من الفقهاء والمؤرخين. لقد وعوا ان التطرف الديني عند الشيعة الثورية يعكس تطرفها الاجتماعي.
* * *
ليس هناك فوارق حاسمة من حيث التركيب الاجتماعى، الايديولوجيا
او التنظيم لمراتبي للحزب القرمطي7 او الموقف من الدين بين الفرع والاصل الاسماعيلي. لكن اهمية القرامطة تكمن في انهم شكلوا امتحانا للايديولوجيا الاسماعيلية لانهم وصلوا الى السلطة من جهة ولانهم، من جهة اخرى، كانوا الجناح العربي الخالص للهرطقة الاسماعيلية.
تعزو الرجعية العربية منذ قرون جميع الهرطقات الثورية الى مؤامرة شعوبية موتورة تريد ان تثأر لقوميتها ودينها من العرب ودينهم. كما لو ان الوعي العربي مطعم بالفطرة ضد المشروع الثوري الشيوعي.
هيكل الاهرام احد و ابرز الذين ما زالوا يعزفون الى اليوم على هذا العود المتآكل. وعلى العموم تقوم دعاية الثورة المضادة العربية
المعاصرة على غرغرة اسطوانة : الافكار الهدامة مستوردة، الشيوعية والالحاد غريبان عن المزاج العربي..
هذه البضاعة الرديئة تبور عندما تواجه بواقعة القرامطة.
لأمر ما بدأت الاقلام الاجيرة، التي تنفق عليها السعودية والارامكو - نعم شركة الارامكو التي يهمها جدا الدفاع عن الاسلام !-، منذ 1969 تتذكر القرامطة باللعنات، تسجالهم كما لو كانوا معاصرين، وتنبش عن مساوئهم في مزبلة فضائح الباطنيةللغزالي. وتطبع على ورق مصقول وتبيع بسعر معقول، تعميمات ابن الجوزي ضدهم. لماذا لان الشبح القرمطي الذي لم يمت وانما اختفى مؤقتا،عاد اكثر عددا وعدة، ومن جديد بدا يدور حول آبار البترول وحول القصور الساهرة قلقا.
* * *
فماذا فعلت الجمهوررية القرمطية في النصف الثاني من القرن الثالث ؟
حطت من على كاهل الجماهير فرائض الاسلام وطقوسه. وسواء صحت القصيدة التالية التي ينسبها الخزرجى للقرامطة او كانت مجرد سجال ضدهم، فانها تعبر، عموما، عن وجهة المشروع القرمطي : الثورة عيد له بداية لكن ليست له نهاية :
خذي الدف يا هذي
واضربــي وغنى هزاريك اثم اطربى تولى نبـي بنـي هـــــــــاشـــــم وهذا نبي بني يعـــــــــرب لكل نبي مضـى شرعــــــــــة وهذي شريعــــة هذا النبي: فقد حـط عنا فروض الصـــلاة وحط الصيام ولم يتعـــــب اذا الناس صلوا فلا تنهضــــي وان صاموا فكلي واشربي ولا تطلبي السعي عند
الصفـــا ولا زورة القبر في يثـرب ولا تمنعى النفس من معرسيـن من
الاقربين او الاجنبـــي .. .. .. .. .. .. وما الخمر الا كماء
السمـــــاء فقدست من مذهــــــــــب
جوهر المشروع القرمطي، كجوهر كل
مشروع ثوري : الانسان هو جدر الانسان نفسه. والانسان يصنع الدين والدين لا
يصنع الانسان. ولهذا انكر الرسل والشرائع كلها (الفرق بين
الفرق). تأول القرامطة : لكل ركن من اركان الشريعة تأويلا يورث
تضليلا، فزعموا ان معنى الصلاة موالاة امامهم، والحج زيارته وادمان خدمته، الصوم
الامساك عن افشاء سرهم (...) وزعموا ان من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها (الفرق...). قضوا ايضا على الحج وطقوسه اللااقتصادية حيث تتلف، لغير حكمة ، كميات هائلة من الابل تصل احيانا الى خمسين الف بعير. والابل كانت بالنسبة للنشاط الانتاجي يومئذ، بمنزلة اسرع وسائل
النقل اليوم، واللاعقلانية حيث ينحط الانسان الى ممارسة شعائر
عبثية : كرمى الجمار ولثم الحجر ! ولهذا اقاموا الحجر الاسود وقتلوا الحجيج سنة 312 اخذا بثأر اسراهم
الذين فتك بهم المعتضد. ولما غزا ابو طاهر الكوفة في نفس العام حوّل مسجدها الى اصطبل لخيله.
بعد ان نسفوا قائمة التحاريم الدينية تركوا للانسان الذي استرد
ذاته بعد ان ضيعها ان يقرر مصيره في حياته اليومية بغير حدود الا حدود حرية مماثلة في تقرير مصيرهم وحدود الممكن التاريخي الذي كان عصرئد، لغياب التقدم التكنولوجي،
ضيق الهامش.
استئصال الاوهام الدينية مشروط باستئصال الاوضاع الانسانية البائسة التي تحتاج الى الاوهام الدينية . لهذا مكنت السلطة القرمطية المجتمع كله من السيطرة على الثروة : الغت الخراج على الارض والضرائب التي كان يدفعها الملاك الصغار والعمال. كوّنت التعاوينات الزراعية والحرفية. حررت الاقنان ومنعت الرق، الذي يمنع في السعودية اسميا الا في عام 1964، اممت التجارة الخارجية، الغت النقود الفضية والذهبية، ساوت المراة بالرجل واعطتها الحق في العمل كضمانات مادية لاستقلالها الفعلي عن الرجل ومساواتها الحقيقية له. وباختصار فان كل شئ، كما يقول الرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي عاش بيننهم عاما، كان مشاعا الا السيوف والاسلحة.
ما انجزته الثورة القرمطية العربية في القرن العاشر للميلاد لم تنجزه الثورات البيروقراطية العسكرية العربية في القرن العشرين !
واخيرا للتذكير،ان الذكرى قلما تنفع المنظمات البيروقراطية الراهنة التي تتناسب اهميتها الايدلوجية والعلمية عكسا مع عددها، نذكر ان الثوريين القرامطة اسسوا النقابات او على الاقل حسنوا تنظيمها، وتغلغلوا فيها بنظريتهم ومنظريهم وجعلوا منها اداة لجمع عمال الامبراطورية العربية، لاعمال هذه العشيرة او تلك
كما يفعل الماركسيون اللينينون العرب اليوم، في قوة منظمة، واعية نظريا باهداف الحركة ومسلحة لقلب الخلافة الاسلامية وتشييد مجتمع جديد من الطراز القرمطى الشيوعي على انقاضها.
* * *
من الثوارات الشعبية المسلحة التي لابد من الاشارة اليها وان كانت صلتها بالاسماعيلية ليست واضحة بل،على الارجح، معدومة : الثورة الزنج (255-270 هـ)8.
كانت هذه الثورة حصيلة لقاء بين الانسانية المفكرة والانسانية المتألمة، لقاء بين قيادة علي بن محمد، صاحب الزنج، الذي كان حساسا لبؤس الجماهير كما كان فاقدا للامل في العثور له على مكان - هنا اذا افترضنا انه فكر في الامر- جدير بطموحه في قلب النظام الرسمى. على ان القليل الذي نقله الينا المهرجون الرسميون من اقواله واشعاره يدل على انه
كان ثوريا راديكاليا يجد تحقيق ذاته في السير على رؤوس الملوك :
وانا لتصبح اسيافنــــــا اذا ما انتضينا ليوم سفوك، منابرهن بطون الاكف واغمادهن رؤوس الملوك.
وفي دق اعناق مضطهدي العبيد والعمال. ولقاء بين جماهير الزنوج، العمال الزراعيين، غلمان الدباسين والتمارين، خدم المنازل وجماهير البدو، التي يئست من النظام وملت حياة العبيد.
كل هذه الجموع كانت خارج دائرة المجتمع الرسمي، كانت لا فقط بدون املاك وبدون امتيازات بل كانت محرومة حتى من لذتي البطن والفرج. كان الزنج ياكلون سويق الشعير ومحرومين جنسيا : لم يكن الزنج ذوي زوجات واولاد بل كانوا،على هيئة الشطار، عزابا. (تاريخ ابن ابي
الحديد).
اذن لم يكن يشدهم الى المجتمع القائم اي رابطة الا رابطة اثقال الحديد التي كانت توضع في ارجلهم لكي لا يفروا من جحيم العمل في كسح سباخ البصرة.
اي غرابة، في مثل هذه الشروط، ان يكون الزنج، خلال المعارك، قد اكلوا من لحوم سادتهم واعدائهم !
اذا كان الزنج هم جمهور الثورة تسمت باسمهم، فقد كان الى جانبهم، فضلا عن الاصناف المذكورة اعلاه، المالكون الصغار من العرب الذين انحطوا، تحت اعباء الضرائب وبسبب الالجاء9 الى درك اجراء شبه اقنان على ارضهم ذاتها.
من الوارد، والمؤرخون الرسميون جازمون، ان علي بن محمد قائد الثورة كان ملحدا او حلوليا. لكنه مع ذلك استخدم الدين تبريرا لتحريض الزنوج والعبيد على الفرار من سادتهم والالتحاق بثورته، معلنا لهم ان اللـه وضع نهاية للرق بقوله : ان اللـه قد اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللـه فيَقتلون ويُقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل... وكتب الاية على لواء حريري. لا شئ في هذه الاية يفيد انهاء الرق. والاسلام، كما هو معروف. لم يلغ الرق. وعلي بن محمد المثقف الالمعي لا يجهل ذلك. لهذا أوّل الآية تأويلا يورث تضليلا على النحو التالي : بأن المؤمنين، وقد اشتروا انفسهم، لم يعودوا بعد عرضة للرق والعبودية. وهي لعبة ماهرة منه، اذ تمكنه على اساس الآية ان يقول ان الزنج واسيادهم سواسية10.
استخدم الدين ايضا لتبرير ضرب اعناق كبار الملاك
العقاريين. فقد كان يقرا على مسمع اسراه منهم حيثيات حكم اعدامهم : قد اردت ان اضرب اعناقكم لما كنتم تأتون لهؤلاء الغلمان الذين
استضعفتموهم، وفعلتم بهم ما حرم اللـه عليكم ان تفعلوه بهم. وجعلتم عليهم مالا يطيقون (الطبرى).
لكن مع ذلك اصطدمت جماهير الزنج، التي لا شك انها كانت في مجموعها واقعة تحت اسر الاعتقاد الغيبي، بالدين. فالمؤرخ المللطي يروي ان الزنج احرقوا المصاحف التي كانت تقاتلهم مع سيوف سادتهم. وابن الرومى يشير في
قصيدته الطويلة الى ان الزنج انتهكوا محارم الاسلام :
اي نوم بعدما
انتهك الز نج محارم الاسلام
* * *
هناك معاينة تكاد تعد في عداد الثوابت التاريخية لتواترها في
كل العصور : حتمية اصطدام الثورة، حتى تلك التي تنطلق في احتجاجها بصدق من الدين، بالدين. الدين، عموما احتجاج عن البؤس ويبرير له ذات الوقت. الا انه ما ان يتجسد في مؤسسات حتى يتضاءل ثم يضمحل صوت الاحتجاج على البؤس لصالح تبريره
ومحاولة ادخاله الى سريرة البائسين لكي يحملوا اغلالهم من الداخل.
الثورة التي تريد، بماهيتها، وضع الحياة اليومية على
قدميها، لا تستطيع الا ان تشتبك مع الدين الذي يبرر الوضع الراهن، هذا الوضع الذى جعلت الثورة من قلبه مبرر انفجارها.
يقر الدين بضرورة وجود المراتب والطبقات العليا والسفلى وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات وبضرورة الفوارق الطبقية :
وفضلنا بعضكم على بعض في الرزق. والبديل الوحيد الذى يقدمه
للدرجات الدنيا والمفضولين في الرزق هو حث الاغنياء والحكام على الاحسان اليهم
والرفق بهم. بينما الهدف النهائي للثورة الاشتراكية هو انهاء استغلال الانسان للانسان وحكم طبقة لاخرى.
والدين، اخيرا، يعلم الطبقات المسحوقة اخلاقيات
العبيد بحثهاعلى الاذعان والطاعة : اطيعوا اللـه واطيعو الرسول واولي الامر
منكم ... من ضربك على خدك الايسر فادر له خدك الايمن ... لتلقي مزيدا من الصفعات.
والثورة تمرد على شروط واخلاق العبيد. ومن ثم فهي تقتص من الظلم والظالمين
الآن وهنا وفورا. وهكذا تجد نفسها، عن شعورمنها او عن غير شعور، في صدام مع الدين ورجاله. لانها برفضها ارجاء الحساب ليوم الحساب، برفضها الوعد والعزاء الدينيين ترفض وظيفة الدين وجوهره نفسه.
وللاسلام خصوصية، بين اخرى، تجعل اصطدامه بالثورات الراديكالية لا مفر منه : ذلك انه كان منذ ظهوره دنيا
ودولة بينما في المسيحية الاصلية الكنيسة مفصولة عن الدولة. وهكذا فالمروق على
الدولة، في الاسلام، مروق على الدين. والكفر بالخليفة كفر باللـه. ولهذا كتب الموفق الى قائد ثورة الزنج يدعوه الى التوبة والانابة الى اللـه اي اليه. لان سلطة الخليفة من سلطة اللـه. وليس هناك حدود فاضلة
بين الديني والدنيوي فقصر الخلفة له حرمة اللسجد الحرام. الملوك تحتمل
كل شئ الا ثلاث خلال : افشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك (الخليفة المنصورا).
فالدين، مفتاح السماء الشرقية، ليس، مثلما هو في الغرب المسيحى، انعكاسا للتنظيم المراتيبي، لتبرير بطش الدولة
المركزية، لاستغلال واغتصاب وقت وابداعية الطبقات المنتجة وحسب. بل هو ايضا وخصوصا شرط انتظام المراتب واستمرار الاستغلال.
الدين يضمن الدولة بسلطان قداسته،
والدولة تضمن الدين بسلطان سيفها.
وهكذا فما ان يمتشق الثائرون السيوف في
وجه الدولة الارتوقراطية حتى يتحررون، بالنصف على الاقل من دينها،لان سيطرتها تصبح امام وعيهم، مهما كان جزيئا، بدون اسرار. فهي، مجرد ما ان ثاروا عليها لم تعد تسيطر
عليهم بقوة السماء بل بقوة السيف. والسيف بالسيف يقرع !
هكذا نفهم سر اصطدام ثورات العامة التي كانت على العموم رغم
بعض الفلتات الجريئة، واقعة تحت اسر الاعتقاد الغيبي، بالدولة وبالدين. لكن هذا
الاصطدام العفوي، يظل، ما لم يصبح واعيا ومنظما، جزئيا وقابلا بالتالي للاسترذاد.
في الواقع لم تكن شروط العصور الوسطى تسمح لسواد الشعب بوعي الخدعة
الدينية. لم يكن التقدم العلمي والاكتشافات شفافة، مفهومة او قابلة للفهم. لنتخيل
المستحيل : جماهير الزنج تبعث اليوم في نفس البصرة لتشاهد القليل فيها من
عجائب التكنولوجيا التي تخطت عمليا اجرأ ما كان يستطيع ساحر جرئ ان يقدم عليه في الوهم : ترى ماذا سيبقى من اعتقداتهم الغيبية ؟ القليل !
اذن لم يكن مستطاعا في شروط ذلك العصر الذي كان الدين نظريته الشاملة، موجزه الموسوعي، منطقه في شكله الشعبي (...) سلواه وتبرير (ماركس)، ودرجة تقدمه المادي ان تكون الايديولوجيا الثورية في شكل دنيوي لا ديني لانها لم تكن تستطيع التغلغل في الوعي الشعبي البسيط والسريع التصديق الا اذا تجلت له تحت شكل ديني.
لذلك اخترعت القيادات الثورية دينا جديدا : (الايمان برسالة امام الزمان الثائر بدلا من الايمان برسالة محمد)، يدفع العامة الى الثورة على صانعي
بؤسهم في مقابل دين الدولة المعادية الذي يدعوهم الى الاذعان وارجاء العقاب والثواب
الى يوم الحساب !
لكن الايديولوجيا الثورية كانت تخفي، تحت الفاظ الموسوعة
الدينية للعصر و التأويل الباطني للاسلام، هرطقتها العميقة التي تجلت، رغم الفاظ التقية، في فكرها المتحرر، في تأويلها ونبذها لشعائر الدين الخارجية وفي ممارساتها
الثورية التي لم تكن تتقيد كثيرا ودائما بالقناع الديني : ممارسة القرامطة
وممارسة قائد الحشاشين العظيم الحسن الصباح بقلمه الموت عندما اعلن يوم القيامة11 اي الغاء الشريعة الاسلامية :
الغاء الحسن الصباح للشريعة الاسلامية كان موجها ضد العناصر الاقطاعية في الارض الاسماعيلية الذين كانوا مخلصين للاسلام السني ومعادين للمساواة
الاجتماعية (برنارد لويس : اصول الاسماعيلية).
لم تكن القيادات الثورية، الا نادرا، تعلن الحادها الصريح ومفهومها المادي للعالم الا
لكوادر الحزب ومراتبه العليا التي آخرها الالحاد.
كانت، للتتمويه على
العدو، تستعمل التقية ،اي التمويه. وتستخدم التأويل استدراجا لجماهير العوام نحو
المادية المقنعة بطلاء مثالي، مستخدمة احيانا، كما في ثورة الزنج، سلاح الاسلام ضد
الارستوقراطية. لكن الارستوقراطية، بمساعدة رجال دينها، استخدمت بفاعلية اكثر سلاح
الاسلام المتكيف والقابل للتكيف مع الانظمة الجلادة، استخدمته لسحق الثورة، حرق
دعاتها، جماهيرها وقادتها وتقطيع ايديهم وارجلهم من خلاف، كما فعل المعتمد بيحيى بن
محمد البحراني احد قادة ثورة الزنج اذ : ضرب بين يدية مئة سوط ثم قطعت
يداه ورجلاه من خلاف، ثم خبط بالسيوف ثم ذبح ثم احرق (الطبرى).
* * *
تحريض الدولة وائمة مساجدها ضد الحاد القيادات الثورية كان واسع النطاق. وبعض ممارسات هذه القيادات كانت، بكامل الوضوح، لا تعبر عن ايمان صادق
بالاسلام. ومع ذلك فهذه القيادات كانت جماهيرية. فهل كانت هناك فئات، شكلت قاعدة ثابتة لهذه الثورات، يستهويها، على حد قول الغزالي،
الالحاد (فضائح الباطنية) ؟.
نعم على رأس هذه الفئات نجد الذين لم يقبلوا الاسلام الا بحد السيف : الاعراب أشد كفرا ونفاقا (آية). لان طقوسه وفروضه من زكاة وحج
وطاعة اولي الامر لم تكن تتجاوب مع تقاليدهم ومصالحهم. ولهذا ما ان مات محمد حتى
ارتدت قبائل البحرين التي قاتلها ابو بكر (حروب الردة). ولما ظهرت الدعوة القرمطية
المضادة للطقوس تجاوب معها اعراب وفلاحو البحرين لانهم تعرفوا فيها على مطالبهم.
اما الفئة الاخرى التي ستهويها الالحاد فهي، والكلمة للغزالي، اهل الصناعات والحرف والطبقات العاملة، وهؤلاء كانوا منتشرين في الكوفة، عرين الحركات
الثورية. بعضهم لم يكن يعتنق الاسلام عن قناعة داخلية، عن حاجة للتعزي، فلقد كان
يجد في عقائده واساطيره، التي قمعها الاسلام، ملجأ اقوى للعزاء والسلوى ومحرضا. اما
اعتناقه للدين الرسمي او تخليه عنه فكان يتم تبعا لمصالحه الفعلية : والعاصي الجاهل يظن ان التلبيس والاديان والعقائد مثل المواصلات والعقود الاختيارية فيصلها مرة بحكم المصلحة ويقطعها اخرى، (الرد على فضائح الباطنية). والبعض الآخر كان قادرا على اكتشاف الخدعة الدينية بنفسه وهو ما شكّل معسكر المثقفين النقديين. يشير المعري الى انقسام الناس في عصره الى معسكرين : عقلاء ملحدون وسذج متدينون : اثنان اهل الارض : ذو عقل بلا دين ... وآخر ديِّن لا عقل له. وغير محتمل ان لا يكون للمعري، وابن الراوندي، واخوان الصفا قراء ومعجبون بين اهل الصناعات والحرف والعمال الواعين. وكوادر الحزب الاسماعيلي آتية منهم. لهذا يؤكد ابن الجوزي، وكان محرضا ديماغوجيا، ضد الالحاد، سهولة انقياد العامة للزندقة والمبادىء الالحادية، شاكيا من انتشار الزندقة ومن تحريض الباطنية على سلب الاموال ونهبها ولم يكن يجهل ان ذلك تتمة ضرورية للاطاحة بحارسها السماوي.
استهواء الالحاد لهذه الفئاة وسواها واقعة لا شك فيها. لكن مما لا شك فيه ايضا انه لم يكن يستهوي الا القطاعات الاكثر استنارة من هذه الفئات. اما الجماهير الاوسع فقد ظلت مشطورة بين قناعاتها الدينية
وممارساتها الثورية ضد الدولة وبالتالي ضد دينها. لان هذه الجماهير لم تكن قادرة على ان تكون امام نفسها. لماذا ؟
من جهة، كانت عزلة الفلاحين الناتجة عن تشتتهم في اقطاعات الملاكين وضيق افقهم الناتج عن انحطاط مستواهم الثقافي الى
الصفر، يمنعانهم من اتخاذ موقف ثوري مستقل عن مقف الدعاة الثوريين من الاسماعيليين
او غيرهم. كما ان القمع الهمجي للدولة الشرقية يضطر المعارضة الى السرية والباطنية،
وهما تغريان الفلاحين الذين انتشرت بينهم الامية والشعورية. (الطبري)، بالاقتناع
بضرورة مفسر لاسرار حياتهم ومحقق لاحلامهم في التسوية وعودة التآخي الاصلي المفقود. لهذا كان الفلاحون دائما، كما لاحظ هيغل، يعطون ولاءهم للزعيم لا للفكرة.
ومن جهة اخرى لم تكن هذه الجماهير بقادرة في شروط مجتمع كانت الطبيعة المجهولة تنظم انتاجه والطبقات الغاشمة تقتسم موارده، على حل الغازه الا بمساعدة مفتاح السماء (الدين) الذي لم يكن بوسع فلاح مكبل ان يهتدي لبديل ارضي له. لكن الامام المهدي يستطيع ذلك بالتأكيد !
باختصار عجز الجماهير عن انجاب قادتها من داخل صفوفها دفعها الى استيرادهم من الثوريين الاسماعيليين المحترفين. اذا
كان قادتها مخلصوها قد جاءوا اليها من خارجها، فان المنقد الاعلى الدائم لا بد ان يكون خارجها اي خارج البشر : إلاها تتعرف عليه وتستعين من خلال امام الزمان المعصوم، الذي لا يقهر لانه لا يموت، وانما يغيب ليعود اليها كطائر
السونونو مع بشائر كل ربيع : لم يكن هذا الامام المعصوم الذي لا يموت الا تعبيرا ايديولوجيا عن ثورتها المعصومة التي لا تموت، وانما تغيب بعد كل هزيمة لتعود من جديد من اجل تحقيق وعدها : ملء العالم عدلا...
هذا التفسير المادي، الذي ينسف مئات الصفحات المثالية التي كتبها المستشرقون والعرب حول مصدر فكرة الامام في الثورات
الشعبية في ظل الاسلام، نجد عليه دليلا تاريخيا : ظهور فكرة المهدي لاول مرة في الكوفة حيث اندلعت ثورة الموالي (66) بقيادة المختار الفعلية ولحساب وبقيادة محمد ابن الحنفية الاديولوجية. انهزمت الثورة، جزّ رأس المختار وتوفي محمد بن الحنفية.
لكن الجماهير رفضت الاستسلام لهذه الهزائم الثلاث. واعلنت ان محمدا لم يمت وانما غاب فقط ليعود مرة اخرى ليملأ الارض عدلا ما ملئت جورا. وفعلا عاد في عشرات الثورات اللاحقة، ومازال سيعود في المرة الاخيرة في الثورة الاممية القادمة.
* * *
كما كانت فكرة المهدي هي المحرك لمعظم
الثوراث الشيوعية البدائية في تاريخنا، كانت فكرة الشيوعية محركا لنضال جماهير
الفلاحين في الثورات البيروقراطية الماركسية اللينينية المعاصرة.
وكما لم يف الامام المهدي بوعده، حتى بعد ان تحققت الدولة الفاطمية التي تنكرت، شأن كل دولة، لوعدها. كذلك لم يتحقق الوعد
الشيوعي، الذي اختزل الى مثل اعلى يطلب فلا يدرك، بعد تحقيق الثورات البيروقراطية
التي اعادت للفلاحين، الذين حولتهم الى عمال، انتاج نفس الشروط التي ثاروا عليها :
البؤس الكمي والنوعي والاستبداد
* * *
نادرون جدا، أولئك الذين اكتشفوا، في ليل تلك العصور، ان الامام ليس خارج الارض بل عليها، وليس خارج الانسان بل في رأسه، وعلى رأسهم ملك الفلسفة العربية : ابو العلاء المعري : كذب الظن، لا امام سوى العقل، مشير في صبحه والمساء.
وليس بأقل منهم ندرة، في ليل العصر الحديث، الثوريون الذين اكدوا واقع ان الاشتراكية لن تنزل لأرض الطبقة العاملة من سماء قيادة أئمة من خارجها، بل هي ستنبع من فعلها الواعي ومن قيادتها لنفسها عبر مجالسها.
كان المهدي المنتظر اسطورة - وككل اسطورة يعبر عن واقع فعلي - معبئة للجماهير الفلاحية وانصاف العبيد ... لكنها، في شروط
الحقبة، اسطورة لعبت دورا ثوريا لانها شجعت على محاربة عالم غبي ومستبد، لم تكن
شروط تغييره الحاسم قد توفرت بعد.
اما المهدي الشيوعي المنتظر من الاحزاب
البيروقراطية فهو اسطورة كانت معبئة، لكنها انتهت مضادة للثورة. لانها، بين مآخذ اخرى، عرقلة للامكانية الفعلية الراهنة لتقويض العالم القديم، لانها تشويه للوعي
وتخليف له. والوعي بحد ذاته قوة انتاج ثورية الفكرة عندما تتغلغل في الجماهير تصبح قوة مادية(ماركس). واكثر لانها تجديد زائف لشباب العالم القديم ومحاولة، نجحت مؤقتا في اطالة عمره.
* * *
بالتوازي مع ثورات العامة، التي نقدت الانظمة القائمة بالسيف، كان هناك مفكرون عقلانيون او ماديون انتقدوا هذه الانظمة باللسان : احدهم الفقيه الثائر غيلان الدمشقي12 الذي حارب اديولوجيا الجبرية، اديولوجيا النظام، معترضا عليها بقوله المأثور الذي تناقلته السنة العامة : ايها الناس ما اتاكم من خير فمن اللـه وما اتاكم من شر فمن بني امية.
خوفا من ثورة شعبية، وكمحاولة لامتصاص
نقمة العامة التي كان حساسا لها، استجاب عمر بن عبد العزيز، الذي كان كأسلافه جبريا، لمطالب غيلان الدمشقي القدري، ببيع متاع الخلفاء الامويين في المزاد العلني. ووسط تكبير سكان دمشق تقدم غيلان بنفسه الى نفائس القصور وهو ينادي في اهل دمشق : تعالوا الى متاع الخونة، تعالوا الى متاع الظلمة (...) من يلومني ممن يزعم
ان هؤلاء كانوا أئمة هدى، وهذا متاعهم والناس يموتون من الجوع !.
والمعري الذي وضع اصبعه على الجرح عندما اكتشف في الدين سلاحا لقهر الطبقات المظلومة وترويض وعيها :
افـيــقوا، افـيــقوا يـا غـواة
فـإنما ديانتـكم مـكـر من القــدمــاء ارادوا بها جمع الحطام فادركوا وماتــوا وبادت سنة اللؤمـاء ...... اذا رجـع اللـبـيـب الى حـــجـاه تهـــاون بالشرائع وازدراها ...... قـد ترامـت الى الـفسـاد الـبرايـا واستوت في الضلالة
الاديان
وابن الراوندي الذي قال : اذا كان الدين متفقا مع العقل فلا حاجة لنا به، واذا كان مختلفا مع العقل فنحن نرفضه. واخوان الصفاء وجميع منظري الباطنية الثورية. هؤلاء شكلوا - يجب
اليوم ان نتذكر ذلك - نواة ذاكرتنا العقلانية والمادية في العصور الوسطى من تاريخنا.
* * *
على الثوريين الشباب، الذين انقذوا وعيهم من تشويه التجهيلية الستالينية، ان يكونوا المنفذين المتحمسين لنصيحة انجلس للشيوعيين في المانيا، بترجمة آثار مفكري عصر الانوار، الذين حاربوا، مستعملين سلاح الفضح، تحالف الكنيسة والاقطاع. ان يترجموا، هم ايضا، ديدرو، وآثار الكاهن الملحد جان مسليي الذي كتب (1774) : لن تكون الانسانية سعيدة حتى تشنق آخر اقطاعي باحشاء آخر كاهن13، وان يترجموا آثار هيجل، فوريي، فيورباخ وأحرى آثار ماركس وانجلس حول الدين. اما نصوص لينين فقد تكفل بها الرفيق البروليتاري محمد كبه. وان يستنطقوا زيادة على ذلك اللحظات الثورية التي اضاءت ليل تاريخنا الذي ينبغي ان نعيد كتابته من جديد، على اساس جديد ولهدف جديد : من اجل التحريض الثوري لا من اجل ارشيف التاريخ والاضاء الفضول الاكاديمي. وان يحطموا
مؤامرة الصمت المضروبة على المعري وكل الفلاسفة العقلانيين والملحدين. لكن يجب ان لا ينسوا ان الاطاحة الحاسمة بالعالم القديم وفضلاته لن تكون محصلة النقد النظري
لتبريره الديني والمشهدي بل ايضا وخصوصا : بالطاحة العملية بالعلاقات الاجتماعية العينية التي انتجت الخرافات المثالية. ليس النقد هو القوة القائدة للتاريخ بل الثورة (الاديولوجيا الالمانية).
* * *
العالم الوحيد تقريبا الذي مازال يتصرف
بعقلية محاكم التفتيش في مسألة الدين وبعقلية الاقطاع في مسألتي الشرف والثأر، هو
العالم العربي.
لقد احتلت منه دولة
اسرائيل14 في اقل من 20 عاما، وبثلاث حروب ظافرة، اكثر من 84 000 كلم مربع ومازالت - اذا شاءت -قادرة على احتلال المزيد. لكن هذا العالم المعلب، والراضي بحاله، مازال، بالرغم من كل ذلك، يعتبر العرض اولى بالصيانة من الارض، ومازال يضع شرف رجاله في فروج نسائه، ومازال لا يتقن من انواع الثأر الا اكثرها انحطاطا : العشائري، ومازال، في عصر بات فيه العلم وسيلة مباشرة من وسائل الانتاج، يعتبر الدين حكما اعلى في شؤون الفكر. والاكثر اثارة لمشاعر الفضيحة : انه مازال يعتبر اخضاع الظاهرة الدينية للنقد التاريخي جريمة تستوجب الملاحقة والسجون !
* * *
في هذا المضمار، الدولة العربية المعاصرة وريثة شرعية لتقاليد العصور الوسيطة للاستبداد العربي : امر مروان بن عبد الملك واليه، خالد بن عبد اللـه القسري باعتقال وقتل الداعية الجعد بن درهم لانه كان يقول بخلق القرآن. نفذ الوالي. لكن كيف ؟ اوثق الجعد كتافا وحمله الى باب المسجد وارتقى
المنبر خطيبا : ايها الناس، انصرفوا وضحوا تقبل اللـه منكم. اما انا فاني اريد ان اضحي اليوم بالمشرك الضال الجعد بن درهم لانه يقول ما كلم اللـه موسى تكليما، ولا اتخد اللـه ابراهيم خليلا، فتعالى اللـه عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم تقدم من ضحيته : الانسان - الخروف، الجعد بن درهم فبسمل وحمدل ثم دبحه.
* * *
دالت دولة بني أمية. وجاءت دولة بني
العباس. واجبرت الناس على القول بخلق القرآن آمرة بقتل كل من لا ينصاع لاوامر الدولة في شؤون الدين والدنيا. فتولى الخليفة - الجلاد الواثق باللـه - بنفسه قتل
وصلب الفقيه احمد بن نصر بسامرا وأمر بحمل رأسه الى بغداد حيث علق في بابها الشرقي وعليه لافتة : هذا رأس المشرك الضال احمد بن نصر ممن قتله اللـه على يد عبد اللـه، هارون، الامام الواثق باللـه، امير المؤمنين بعد ان اقام عليه الحجة في خلق القرآن15.
لكن كيف اقام عليه الحجة ؟ لنستمع الى
رواية مؤرخ رسمي، الطبري :
الخليفة لاحمد بن نصر : ماذا تقول في
القرآن ؟
احمد بن نصر : هو كلام اللـه. ولم يزد
على ذلك، كما لاحظ الطبري. الخليفة : ماذا تقول في ربك، اتراه يوم القيامة ؟ احمد بن نصر : يا امير المؤمنين جاءت الاخبار عن رسول اللـه انه قال : ترون ربكم يوم القيامة فنحن على الخبر.
وبعد جدال قصير افتى فقهاء الدولة،
الجالسين بين يدي الخليفة، بقتل احمد بن نصر لانه كافر باللـه16 فقام الخليفة وقتله.
هكذا اقيمت الحجة على الفقيه الشهيد ! وهطذا ما تزال تقام !
* * *
قتل احمد بن نصر، وقبله وبعده عشرات،
وصلب، رغم ان الصلب ممنوع في القرآن، لانه لم يقتنع بموضوعة خلق القرآن. تماما كما
ذبح الجعد بن درهم، وقبله وبعده عشرات. لانه اقتنع بموضوعة خلق القرآن. لان الدولة العربية الاتوقراطية دائما على حق ورعاياها دائما من محنة الى محنة ومن طاغية الى
طاغية منذ 14 قرنا !.
* * *
في غمرة هذا الليل الطويل الذي خيم على
كل تاريخنا، لم يعرف العالم العربي الا لحظة نادرة من الديمقراطية الشيوعية في
الجمهورية القرمطية.
كيف تصرفت اول جمهورية عربية شعبية حقا حيال قضية الدين
؟ لنستمع الى الرحالة ناصر خسرو الذي زار الحساء القرمطية وترك لنا شهادة حية في كتابه سفرنامة :
كان الحاكم السابق ابو سعيد الجنابي قد الغى الصيام والصلاة. والاهالي لا يصلون ولا يصومون (...) ولما توفي ابو سعيد انتقلت السلطة الى مجلس شورى مؤلف من 6 من تلاميذه حكموا بالعدل والانصاف (...) وليس في مدينة الاحساء مسجد ولا صلوات ولا خطب الجمعة او العيد. واهل البلاد اذا كانوا لا يصلون فهم لا يمنعون احدا من الصلاة17. اما الحجاج السنة فقد بنوا لانفسهم مسجدا على حسابهم.
تماما كما فعلت كومونة باريس في 1871
التي ارسلت برجال الدين الى هدوء الاديرة ليعيشوا فيها على صدقات المؤمنين، كما كان الامر على عهد اسلافهم الرسل (ماركس).
* * *
حدث هذا قبل تسعة قرون. وكم يكون الانسلن العربي المعاصر سعيدا لو يجد دولة عربية واحدة جمهورية او ملكية، اشتراكية او رأسمالية، تتسامح مع الملحدين وتحريضهم المكتوب بنفس درجة تسامح الجمهورية القرمطية مع المؤمنين ودعايتهم، ممسكة عن التخل البوليسي في نقاش فكري بين تيارين تاريخيين تصارعا منذ اكثر من خمسة آلاف عام ولا يزالان.
باريس 8-7-1972
هوامش :
1- التسمية لا تنطبق على مضمون هرطقتهم، وهي من اختراع اعدائهم. والصحيح تسميتهم حزب الاختيار في مقابل حزب الجبر
(الجبرية) 2- لن نقيم هنا توازنا تاريخيا بين هزائم الهرطقات الاصلاحية ونمو الهرطقات الثورية. حسبنا ان نشير الى انه مثلا بانتصار الاشعرية على المعتزلة في عهد المتوكل، ثم تكوين مدارس الدولة السنية في عهد نظام الملك والسلاجقة ببغداد، كرد على الازهر الفاطمي من جهة ولتخريج بيروقراطية ومفكرين مطواعين للدولة ومنسجمين مع اديولوجيتها السنية من جهة اخرى، اتكلت الدولة السنية مباشرة على نفسها لترويج اوهامها عن نفسها. وهكذا وجهت طعنة قاتلة للحضارة اليونانية وتأثيراتها على المعتزلة والهرطقات العقلانية. فقد احتكر الفقهاء من امثال الغزالي، صديق مظام الملك ومستشاره، الغزالي الذي قال : يجوز للحبل ان يصبح حصانا باذن اللـه تعالى الثقافة الفكرية. واكتسبت الثقافة نفسها طابعا لاهوتيا مدمرا. وغدت العلوم كلها فروعا موضوعة تحت وصاية الفقه الديني. وهكذا حتمت الدولة السنية
الانتصار الحاسم للدين على الفلسفة في ساحة الصراع الشرعي légale ولم يبق على الفلسفة النقدية المهزومة الا ان تلتجىء الى السرية، الى اخوان الصفاء، او ان تحمل السلاح وتلتحق بجبال الاسماعيلية وقلاعها حيث سيأخد العقل تأره من النقل وستقتص الفلسفة لنفسها من الدين. لكن لفترة تاريخية عابرة ! 3- سمي الاسماعيليون بالبطنية لانهم من جهة يقولون ان لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تأويل ولانهم، من جهة اخرى، حزب سري يكتم اسماء زعمائه، تنظيماته وبعض اهدافه. فبعد ان انتصر العباسيون
وامتلكوا الدولة، (الرجال، والمال والسلاح) واداروا ظهورهم وسيوفهم لحلفائهم وابناء عمهم : العلويين، لم يبق امام هؤلاء، وهم قلة رجالا، مالا وسلاحا، الا الاعتماد اساسا على سلاح الاديولوجيا، قوة العزيمة وبراعة الدعاة (المحرضين). 4- ما ان تجسدت الاسماعيلية الفاطمية الثورية في دولة مصر حتى اصبحت ضد نفسها اي ضد الثورة. فقد عدلت عن محاربة المؤسسات الاسلامية.
واصبح هدفها ليس تحقيق برنامجها المعلن بل المحافظة على دواتها، وعلى الارستوقراطية
الادارية، الدينية والعسكرة التي كانت على رأسها. لم تكن ثورة الجناح المتطرف من
الحزب القرمطي على الفاطميين ومحاربتهم لهم الا احتجاجا مشروعا على هذه الردة
البيروقراطية، على تشكل نمودج الدولة السنية الرجعي في صلب الدولة الفاطمية التي
كانت من حيث المبدأ اداة نفيه : انفصال النظرية عن الممارسة، خيبة الجماهير التي لم تتغير شروط حياتها، سحب الاجنحة الثورية الاسماعيلية مساندتها للفاطميين
وعسكرة الحكم تدريجيا الى ان تحول، خاصة بعد موت الحاكم بأمر اللـه، الى ديكتاتورية
اتوقراطية عسكرية ادى الى سقوط الحكم الفاطمي، بعد قرنين من السيادة (497-567)، على
يد صلاح الدين الايوبي لصالح السنة الحاكمة في بغداد. 5- كتب البغدادي : والذي يصح عندي من دين الباطنية انهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها لميلهم الى استباحة ما يميل اليه الطبع. 6- واما حرف اهل الصناعات، فغير فاضلة من الاقوات، ولا نافعة في جميع الاوقات ومعظمها معصوب بشبيبة الحياة. (مقامات الحريري). 7- زعيم الحركة القرمطية الفعلي : حمدان القرمطي كان
عاملا زراعيا. ابو سعيد الجنابي الذي سيصبح اول رئيس لعقدانية (مجلس الثورة) الجمهورية القرمطية كان من اصل اجتماعي متواضع، والحسين بن سنبر كان شيخ قبيلة عربية من قبائل البحرين. 8- للاطلاع على وقائع هذه الثورة، اسبابها واسباب اخفاقها على القارئ الثوري ان يعود الى كتابين هامين معاصرين : ثورة الزنج (احمد العلبي) وثورة الزنج (فيصل السمرائي) - وهو نافذ - والرجوع الى تاريخ الطبري، المسعودي والمقدسي وابن ابي الحديد خاصة. 9- الالجاء : التجاء الملاك الصغار لتسجيل فتات اراضيهم باسم الملاك الكبار المتنفذين لدى الارستوقراطية الحاكمة لحماية انفسهم من عسف
الجباة. لكنهم كانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالملاك الكبار ستولون فعلا على
الارض، ويحولون ملاكها الى اجراء. وحين قامت ثورة الزنج كانت اراضي البصرة في حيازة
عدد قليل من الملاك كان معظمهم في نفس الوقت من التجار
المرابين. 10- ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد (تأليف : احمد علبي. دار الحياة). مطبعة دار الحياة - بيروت 11- اعلن الاسماعيلي العبقري، قائد الحشيشية، كما كانوا يسمون في سوريا على عهد الحروب الصليبية : الحسن الصباح في سنة 559 يوم القيامة وان التنزيل لا يؤخذ منذ الان الا بتأويله. 12- قتله هشام بن عبد الملك بتهمة الالحاد وافتى له
بقتله الفقيه الاوزاعي. 13- استلهم هذا الشعار الناري الشاعر بوشكين عندما كتب : لن تكون روسيا سعيدة الا اذا شنقنا آخر قيصر باحشاء آخر كاهن. واستلهمته ثورة ايار 68 التي انتقلت من شنق الكهنة القدامى الى شنق الكهنة الجدد : الرأسماليين والبيروقراطيين : لن تكون الانسانية سعيدة الا اذا شنقنا آخر رأسمالي بأحشاء آخر بيروقراطي. 14- نشرت مئات المقالات وعشرات الكتب التي لم تصادر
معتبرة ان الهزيمة كانت نتيجة عدم التقد بالاسلام. لكن لو حاول آخرون اثبات العكس فاقل ما ينتظرهم المصادرة والملاحقة ! 15- كما سيقيم القدافي الحجة على أي شاب ليبي، يقرأ
البيان الشيوعي، بأنه حزبا شيوعيا ويعدمه حسب القانون ! 16- في الحقيقة لانه كان كافرا بالواثق. فالطبري نفسه يروي بان اعتقال احمد بن نصر وقتله تم بعد اكتشاف الشرطة ان مظاهرة احتجاج كانت قيد الاعداد. وكان على رأس المحرضين عليها : احمد بن نصر. ولم تكن وظيفة الدين هنا الا تبرير قمع الدولة للمعارضة. 17- هكذا يكون الدين قضية خاصة بالنسبة للدولة التي يجب ان لا تضطهد احدا من أجل دينه او من أجل إلحاده... في انتظار زوال الدولة والدين والاضطهاد.